محمد الغزالي
274
فقه السيرة ( الغزالي )
يقول : « أيّهم أكثر أخذا للقران ؟ » فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد ، وقال : « أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ! » وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصلّ عليهم ، ولم يغسّلهم . . « 1 » . ولما انصرف عنهم قال : « أنا شهيد على هؤلاء ، إنّه ما من جريح يجرح في سبيل اللّه إلا واللّه يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه ، اللون لون دم ، والرّيح ريح مسك » « 2 » . إنّ معركة أحد تركت اثارا غائرة في نفس النبيّ عليه الصلاة والسلام ظلت تلازمه إلى اخر عهده بالدنيا . في هذا الجبل الداكن الجاثم حول يثرب أودع محمد صلى اللّه عليه وسلم أعزّ الناس عليه ، وأقربهم إلى قلبه ، فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة ، وعادت في سبيل اللّه الأقربين والأبعدين ، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها ، وأنفقت وقاتلت ، وصبرت وصابرت ، هذه الصفوة اختطّ لها القدر مثواها الأخير في هذا الجبل الأشم ، فتوسّدت ثراه راضية مرضية ، وكان رسول اللّه يتذكّر سير أولئك الأبطال ومصائرهم فيقول : « أحد جبل يحبّنا ونحبّه » « 3 » . فلمّا حانت وفاته ، جعل اخر عهده بذكريات البطولة أن يزور قتلى أحد وأن يدعو اللّه لهم ، وأن يعظ الناس بهم ! ! . عن عقبة بن عامر ، قال : صلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 3 / 163 - 165 ، 169 ، 7 / 300 ؛ والنسائي : 1 / 277 ؛ والترمذي : 2 / 147 ، وصححه ، وابن ماجة : 1 / 461 ؛ وأحمد : 5 / 431 ، من حديث جابر أيضا . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه أحمد : 5 / 431 ، 432 ؛ وابن هشام : 2 / 142 ، كلاهما من طريق ابن إسحاق . حدّثني الزهري عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير العذري مرفوعا ، وهذا سند صحيح ، وابن صعير صحابيّ صغير ، فهو مرسل صحابي ، وهو حجة . وكذلك أخرجه البيهقي : 4 / 11 ، من طريق ابن عيينة عن الزهري به ، وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه به . وإسناده صحيح أيضا . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 302 ؛ ومسلم : 4 / 124 ، وغيرهما من حديث أنس وغيره .